غياب الشعور بالارتياح، ذلك العذاب الذي يؤرق حياة الانسان طالما آمنا بانه في الاصل كائن متوحش، هذبته صراعاته الازلية مع مخاوفه لينتج بذلك حضارة، معيداً مع هذا الارث صياغة افكاره ورغباته، التي باتت تقف عائقا امام السيطرة على جينات أجداده الوحشية النابعة وراء سعيه الدائم نحو الشعور باللذة.
ولان التهذيب هو أعلى قيم الحضارة كون الالتزام بهذا القيد ( إن صح التعبير) يعني الوصول إلى نقطة الاعتراف بأن الاخر له نفس الحقوق التي يسعى إليها الانسان نفسه، فالتجربة علمته بأن من يبتغي العيش في عالم يسوده السلام فينبغي عليه عدم الخروج على هذا القانون الذي ينظم العلاقات بين البشر.
إلا أن مقاومة الانسان تكبتها ضرورة حاجته بالتظاهر بشكل الكائن المهذب فتركت شعورا بداخله بعدم الارتياح، فصوت الانسان البدائي مازال يعيش في اعماقه وجيناته لم تندثر او تختفي بفعل التطور، بل تسكن داخل عقله الباطن تتهيئا لتلك اللحظة المناسبة التي تقفز بها نحو سطح العقل لتهمس بصوت خافت للجسد وتدفعه نحو الانعتاق من القيود بممارسة شكل من اشكال التحرر التي يتوهم معها الانسان المتحضر بانه وجد الراحة والخلاص.
ولهذا يشعر الانسان بالسعادة في بعض الاحيان حين يقوم بممارسة سلوك غير مهذب، فهو في حالة يتلبسه فيها عقل الانسان البدائي، كأن يقوم بالقفز على الاشياء ، او التعري من كومة الملابس، او الصراخ حين يسجل هدفا او ينتصر في لعبة ما!
إن فكرة الوحشية التي يقاوم ذهن الانسان الاعتراف بها خلقت فكرة مضادة لها لتصبح هي القيد الذي يمنعه من تحقيق ملذاته التي لا يقدر على الإفصاح بها!
والحق بان مثل هذه الأفكار هي نتاج الحضارة البشري بشكله العام، وحين ننظر اليه فهو كالارث الذي يتركه جيل انتهى بالموت ليكسبه جيل اخر بقي ليبدأ الحياة، وهو محملا بجينات أجداده.
هذا الارث الذي يتواتر في نقله الانسان لابد وان يتغير وفق ما تتطلبه ظروف الحياة، وما من شأنه ان يساعد الانسان على مواجهة الموت ذلك الشيء الذي مازال يخيفه، فابتكر طقوسا تساعده على الشعور بالارتياح من حقيقة المصير الذي ينتظره كل انسان ويجهل تصور عالم الموت وما يحدث بعده.
جلب الايمان بهذه الفكرة شعورا بالارتياح، لكنه شعورا سرعان ما راح يضعف شيئا فشيئا كلما تقدم الانسان اكثر في بناء حضارة يرثها انسان آخر، وكلما ذهب جيل كلما خلق جيل جديد صراعا يعيد له قلقا يبدد به الارتياح.
0