كلنا نُحب الصدق، لكن رغم ذلك نكره سماع الحقيقة “أحياناً”.
قد يبدو هذا الاعتراف سرٌ لا ينبغي لأحد التصريح به ! فلا يجوز البوح به كي نسمح لشخص ما بأن يبرر ممارسته للكذب علانية حتى لو بدت معه الحياة أجمل.
لكن العلاقات التي تنشأ بين الناس تطغى عليها العاطفة التي تجبرنا على اختلاق ما يبعث على البهجة أو يخفف من الألم لدى الآخرين.
إن حاجة الإنسان للشعور باللذة في لحظات الألم أوجدت للكذب مبرراً أخلاقياً، فرحنا نرسم لوحة سعيدة لأشد الصور حزناً في حياتنا.
لكن كيف ستبدو الحياة لو كنا لا نعرف سوى أن نكون صادقين؟ كيف ستصمد علاقاتنا لو أننا لا نتقن الكذب؟
يصور الفلم حياة مجمتع تبدو مثالياً، فالكل لا يعرف مضاداً لمعنى الصدق، ويجهل تماماً ماهو الكذب، قاموسه يخلو من هذه المفردة. والناس تقول الصدق لأنها لاتعرف شيء آخر غيره لتقوله، فهي لم تعرف كيف تبدو الحياة مع الكذب، و ماذا يمكن أن يجلب لها الكذب، وكيف سيكون العالم أجمل لو أنها جربت الكذب!
يحكي الفلم قصة البطل وهو شخص بائس يفقد وظيفته وتبدأ حياته بالانهيار، ولأنه رجل لا يحمل أي مواصفات للوسامة أو أي ميزة وراثية كالقوة أو الموهبة في هذا المجتمع فتراه يفشل في كل مره باجتذاب فتاة يخرج معها، ففي كل مرة تقوم واحدة منهن بقول الحقيقة وتصرح له بأنها لا ترغب في الخروج معه أخرى، لأنها لاتود أن ترزق بأطفال بشعين يأتون لهذا العالم وهم يحملون جيناته الوراثية، وكل واحدة منهن حين تتحدث بهذه الطريقة الجارحة فهي تتصرف بتلقائية كون الجميع في هذا العالم يمارسون الصدق! ولا تشعر بالخجل أو التردد من وقع هذا الكلام على الطرف الآخر! لأن الطرف الآخر يمارسه مع الغير أيضاً. فهو يجد نفسه يخبر والدته المريضة بأنها ستموت قريباً وتفنى للعدم، فليس هناك وجود لحياة أخرى حيث لا يؤمن أحد بهذا المجتمع بحياة أخرى للروح، ولا جنة يرتاح فيها الناس. فحقيقة الموت مؤلمة ومخيفة حيث لا وجود لفكرة تخفف من ألمها.
وبعد عدة مشاهد تصف الحياة في هذا العالم المثالي الصادق، حيث ينعدم فيه وجود أي فكرة للشر، فتخلو المدينة من وجود اللصوص وينتشر الأمن بين الجميع فالشعور بالأمن نابع من وجود الثقة السائدة بين الناس. فحتى أن المصارف تثق بالناس ثقة عمياء، مطبقة حرفياً مبدأ العملاء دوماً على حق. ويتضح هذا المشهد حين دخل البطل إلى المصرف وطلب أن يسحب رصيده البنكي، لكن النظام كان معطلاً، إلا أن الموظفة طلبت منه بعد أن اعتذار: أن يقول لها المبلغ الذي يريده كي تقوم بسحبه من رصيده الذي تجهله ! هكذا ببساطة ودون أن يكون عليها التأكد من صحة كلامه، فالأصل أن الناس في هذا العالم لا يكذبون أبداً. وحين أراد أن يقول لها المبلغ اكتشف في هذه اللحظة ” مقدرته على الكذب” حين نطق برقم يفوق ما هو موجود بالحساب. فأدرك عندها البطل أنه قادر على ” مخالفة ما يمليه عليه عقله” . إلا أنه رغم ذلك ما زال يجهل ما أصابه، ولا يعرف كيف يشعر بعد خروجه من البنك، فلم يكن يعرف كيف يصف الحالة التي انتابته وأن يعثر على الكلمة المناسبة لها، مما دفعه إلى الذهاب إلى مجموعة من أصدقائه ويحاول جاهداً أن يصف لهم الموقف، لكنه يعجز عن شرح ذلك، فيلجأ بطريقة كوميدية بالكذب عليهم ويكرر ذلك باختلاق قصص قائمة على الكذب لينتهي به الأمر بعد كل قصة لأن يعجز عن إيصال ما يريده فلا أحد فهم ما يقول، حيث كانوا في كل مره يصدقون ما يقوله، حتى لو كان خارجاً عن المألوف، وغير متصور حدوثه أو استيعابه كأن يقول البطل” بأنه شخص زنجي “ رغم بياض بشرته، فالجميع ظن بأنه يعني أن أصله زنجي!
ويظل البطل مندهشاً لفترة زمنية، وغير قادر على استيعاب ما أصاب دماغه، ويعجز عن تحليل تلك الحالة، فانزعج منها لوقت لأنه لا يدرك بعد تلك الفائدة التي ستعود بها عليه! لكن بعد زمن شعر بالسعادة، حين عرف كيف يستغل هذه “المعجزة” في استرجاع وظيفته ككاتب سيناريوهات تاريخية، فتحولت مقدرته على الكذب لأن يطلق الناس في ذاك العالم على الكذب اسم ” الموهبة” والتي لا يتقنها أحد سواه.
فشكلت هذه القدرة منعطف آخر في الأحداث القادمة، حيث عاد البطل لزيارة والدته التي تحتضر وقام بممارسة الكذب عليها ليخبرها بأنها ستذهب إلى مكان جميل، أجمل من هذا العالم، حيث تعود صغيرة، ويتحول جسدها إلى جسد شابة صغيرة جميلة في أحسن صورة، وتعيش خالدة للأبد حياة أخرى. مما جعل والدته تشعر بالسعادة تغمر كامل روحها المنطفئة، فتنعش جسدها ويتشبث بالحياة ويقاوم المرض.
رغم أن فلم “اختراع الكذب” يعد فلم كوميدي، مليء بالمشاهد المضحكة الساخرة، إلا أنه يطرح فكرة فلسفية عميقة تحرك بداخلنا أسئلة عديدة تجعلنا نعيد النظر مرة أخرى لمحاولة فهم مواقف كثيرة في حياتنا، نجد فيها صعوبة كبيرة في استعادة الثقة بالشخص الذي يكذب بغض النظر عن الأسباب، لأننا نفقد القدرة على تصديقه مره أخرى. ولطالما احترنا أمام موقف لم نجد له المسوغات أو المبررات التي تبيح ممارسة الكذب الذي نٌجمع كلنا على الانكار عليه.
إن مشاهدة “اختراع الكذب” يصور لنا كم ستبدو الحياة قاسية لو لم نخترع الكذب، وأن العيش مع هذه المعضلة الأخلاقية سهل، شرط أن لا نسيء استخدام الكذب لمصلحة قد تلحق الضرر بالآخر، بدل أن ندخل البهجة والسرور في قلبه.
